faisal1961
04-29-2008, 01:52 AM
اسمه الحقيقي "محمد عماد الدين عبد الحميد حمدي" من مواليد عام 1909 في محافظه سوهاج، تعلم فن الإلقاء على يد الفنان الكبير " عبد الوارث عسر" و هو لا يزال طالبا بمدرسه التوفيقيه .. حصل على دبلوم تجاره، عمل في بدايته من موظف بأستوديو وتدرج من رئيس حسابات إلى مدير إنتاج ثم مدير توزيع ، وكان يهوى التمثيل ، لذا شارك في الأفلام الدعائية لوزارة الصحة التي ينتجها أستوديو مصر. أول ظهور سينمائي له كان عام 1942 في فيلم " عايده" و لكن بدايته الحقيقية في السينما جاءت عام 1945 عندما قدمه المخرج " كامل التلمساني" في فيلم "السوق السوداء". تلاه مجموعه كبيرة من الأفلام حتى أصبح "عماد حمدي" في وقته هو القاسم المشترك لجميع المخرجين في أفلامهم الرومانسية.. في الخمسينات كان هو فتى الشاشة الأول بلا منافس.
في عام 1949 إستقال عماد حمدي من وظيفته في أستوديو مصر ، بعد خدمة ثماني سنوات ، متنقلاً من وظيفة باشكاتب الى مدير إنتاج الى ممثل سينمائي ، تدفع له مكافآت مالية نظير عمله كممثل . ولكنه الآن قد أصبح نجماً سينمائياً مرموقاً ، وإستمراره في الوظيفة يسبب له نوعاً من عدم الإستقرار . لذلك كان عليه أن يختار بين الإستمرار في الوظيفة أو الإستقالة ، فإختار الإستقالة بالطبع . وإستلم مكافأة نهاية الخدمة مودعاً السلك الوظيفي ومستقبلاً من جديد حياة الأضواء .
ومضت سبع سنوات وعماد حمدي يعيش حياة زوجية سعيدة مع فتحية شريف وإبنهما ، الى أن إلتقى بالفنانة شادية في رحلة »قطار الرحمة« ، حيث ورأى الفنانون بأن يقوموا بتظاهرة فنية تعبيراً عن ترحيبهم بإعلان الثورة ، وذلك في قطار ينطلق من القاهرة الى أسوان ، حيث يتوقف في كل المحطات لتقديم حفلات غنائية يرصد ريعها لأعمال الخير ولدعم الثورة . في هذا القطار تقابل عماد وشادية ، وكان لا بد أن يتبادلا كلمات المجاملة التي لم تلبث أن تحولت الى كلمات شكر ، ثم تعبيرات أطول عن التقدير المتبادل ، الى أن إنتهت الى مشروع حب ثم زواج . صحيح بأن موقف عماد حمدي كان شائكاً ، فهو متزوج ويحب زوجته ، إلا أنه لم يستطع مقاومة ذلك الشعور الجارف نحو شادية . كان يقول لنفسه : أية قوة مجهولة تحاول أن تغير إتجاه سفينة حياتي ؟ والى أي شاطئ مجهول سأنجرف ؟ ووجد عماد نفسه في موقف لا يحسد عليه ، موقف رجل متزوج وله ولد ، وقع في الحب ولم يعد أمامه سوى حل وحيد ، وكان الحل في منتهى القسوة .. أن يطلق زوجته فتحية شريف ويتزوج شادية !!
وتزوج عماد حمدي شادية عام 1953 ، في الإسكندرية التي شهدت أول لقاء سينمائي لهما ، وكان فيلم ( أقوى من الحب ) . حينها فكر عماد أن يخوض تجربة الإنتاج السينمائي ، صحيح بأنه عمل مديراً للإنتاج في أستوديو مصر ، لكنه اليوم يفكر بالمغامرة بأمواله الخاصة . وكان من أهدافه الفنية في الإنتاج بأن يضع شادية في المكان المناسب ، بعد أن تخصصت في الأدوار الخفيفة وفي الأفلام ذات الطابع الكوميدي الغنائي . بينما كان عماد يرى في هذه الفنانة كنوزاً كانت خافية على الجميع لم تكشف بعد ، ولا تحتاج إلا لنبشها وإظهارها للعلن . لذلك عقد العزم على أن يخوض تجربة الإنتاج مهما كانت نتائجها وعواقبها . وأول إسس النجاح هو إختيار القصة المناسبة ، حيث وفق عماد في العثور على قصتين جيدتين ، هما : »شاطئ الذكريات« و »ليلة من عمري« . ونجح هذان الفيلمان ، اللذان أرخا لبداية جديدة في مشوار شادية السينمائي ، ومن ثم إتجهت لأداء الأدوار التراجيدية ، وقدمت فيلمي ( موعد مع الحياة ) و ( المرأة المجهولة ) اللذان حققا لها أكبر النجاح الفني والشعبي .
فجأة ، توقف الحب بسرعة ، كما أتى بسرعة . فقد بدأت الفوارق في وجهات النظر بين عماد وشادية تظهر الى السطح ، وأدى ذلك الى ثورة شادية ، وإستسلام عماد لهذه الثورة ، ثم الى توقفه عن العمل لفترة طويلة ، نتيجة للمشاكل العائلية الكثيرة إن كانت من الزوجة الأولى أو الزوجة الثانية . ويمكن القول بأن تلك الفترة كانت بمثابة النكسة في حياة عماد حمدي ، حيث تم الطلاق بينه وبين شادية بعد ثلاث سنوات .
بعد توقف عماد حمدي عن التمثيل لفترة طويلة ، عرض عليه المنتج رمسيس نجيب بطولة فيلم ( حتى نلتقي ) ، وكانت قصة هذا الفيلم مشابهة لقصة حياته مع الزواج . في البداية ، رفض عماد القيام بهذا الدور ، إلا أن رمسيس نجيب إستطاع أن يقنعه ، بإعتباره قد لعب هذا الدور في الحياة . وإنه سيكون الدور الهام في مشواره السينمائي . وبالتالي إستطاع رمسيس نجيب أن يخرج عماد حمدي من عزلته التي فرضها على نفسه ، بعد أن أفهمه بأن فاتن حمامة ستلعب دور شادية ، وزهرة العلا ستلعب دور زوجته فتحية شريف . ولعب عماد دوره في هذا الفيلم كما لم يلعب دوراً في حياته .
وبدأ عماد يعمل بكثرة متفانياً في عمله لكي ينسى ، يخرج في الصباح ولا يعود إلا بعد منتصف الليل ، منهكاً ومستنزفاً كل قواه ، من أجل الحفاظ على لقب الفتى الأول ، هذا اللقب الذي لازمه سنوات طويلة ، وهو يمثل مع فاتن حمامة ومديحة يسري ، وبقية نجمات السينما المعروفات . فتى أول من نوع مختلف ، فيه وقار الكبار الذين لا يعتمدون على صغر السن أو وسامة الملامح ، بل على حسن الأداء والإنغماس في الشخصية .
لم يعد عماد حمدي شاباً ، لقد تقدم به العمر ، وتسللت الشعرات البيض الى رأسه ، والتجاعيد أصبحت واضحة فوق وجهه . لكن المخرجين لم يقتنعوا بذلك ، ظلوا يصرون على ترشيح عماد حمدي كفتى أول مدة عشرين عاماً وأكثر . ولكن زمن هذا الفتى قد تغير ، ولا بد من الإنعطاف نحو أدوار أخرى .
وفي عام 1960 ، إختاره المخرج حسن الإمام للمشاركة في بطولة فيلم ( زوجة من الشارع ) . وكان ضمن طاقم الفيلم الوجه الجديد نادية الجندي ، والتي لم يسمع عنها عماد حمدي من قبل ، وعندما رآها رأى فيها وجه الشابة الجميلة والشديدة الحيوية . ومن خلال العمل أمام الكاميرا والظهور معها في عدة لقطات ، كان لا بد أن يجري بينهما حوار جانبي ما ، وتعليقات وإرشادات فنية ، كأي ممثلة جديدة تحتاج الى العون . وفي فترات الإستراحة ما بين التصوير ، بدأ عماد ـ للمرة الثالثة ـ يفكر بعمق في حياته المجدبة والموحشة مثل صحراء قاحلة ، ليس فيها خضرة ولا ماء ولا حياة . الضمأ للحنان يقتله ، والشعور الحاد بالوحدة يعذبه . فبعد الأربعين تشتد حاجة الإنسان الى شريكة لحياته . إنتابته كل هذه الهواجس ، لحظة شاهد نادية الجندي ، لم يفكر بفارق السن بينهما ، ولم يفكر بمصيره معها في المستقبل . إنحصر تفكيره في عواطفه فقط . ومع إنتهاء تصوير فيلم ( زوجة من الشارع ) كان عماد يتأبط ذراع نادية ، وبعد عام من زواجهما أنجبت له نادية إبنه »هشام« .
بعد الزواج الثالث ، عاد عماد حمدي يفكر في الإنتاج مرة ثانية . كان قد أنتج لزوجته السابقة شادية فيلمين ، وها هو يستعد لإنتاج فيلم ( بمبة كشر ) لزوجته الثالثة نادية الجندي . والفيلم من النوع الإستعراضي ، أي إنه يتطلب نفقات غير عادية . لكن عماد حمدي لم يبخل على الفيلم بشيء ، كان يريده فيلماً ناجحاً . ولكي يتحاشى متاعب الضرائب كتب الفيلم بإسم زوجته . فقد بلغت التكاليف خمسين ألف جنيه ، وإتفق الزوج وزوجته على أن تأخذ هي نسبة من الإيرادات . وبعد عرض ( بمبة كشر ) حقق نجاحاً كبيراً ، وإستمر عرضه أسابيع متواصلة وحقق إيرادات كبيرة . وبالرغم من أن عماد حمدي هو الذي صنع إسم نادية الجندي بهذا الفيلم ، إلا أنه لم يحصل على شيء من إيراداته ، والتي أخذتها الزوجة »المصونة« . ولم يحزن عماد بسبب هذه الخسارة المادية ، بل حزن لأن الوفاء لم تكتمل فصوله ، وإن الزوجة التي إختارها لم تكن على مستوى تضحية الزوج ورغبته في دفعها الى الأمام . ومن الطبيعي أن يشب الخلاف بين الزوجين ، حيث حزم عماد حقائبه وخرج من بيت الزوجية . لم يندم عماد حمدي على شيء ، لا على الإنتاج السينمائي الذي كلفه الألوف ، ولا على شقة الزمالك التي كتبها سابقاً بإسم نادية ، والتي يبلغ ثمنها حوالي الربع مليون جنيه . فقط غرق في الحزن والصمت ، وآثر راحة البال . فقد علمته الحياة أن من يخسر المال هو أسعد من الذي يفقد نفسه وحريته وإرادته .
في مرحلة الشيخوخة ، لم يكن غريباً من أن يستكمل عماد حمدي تألقه الفني في الأدوار الجديدة ، أدوار الأب أوالجد ، فلكل مرحلة أدوارها . بل إن عماد حمدي يعتبر هذه المرحلة ... من أهم وأخصب سنوات عمري ، إنها سنوات النضج والإكتمال ، قدمت فيها أهم وأنجح أفلامي ... . ومن أفلام عماد حمدي الهامة في مرحلة الشيخوخة ، أدواره في أم العروسة ، ميرامار ، ثرثرة فوق النيل ، المذنبون ، سونيا والمجنون ، أسياد وعبيد .
أما بالنسبة لآخر أدواره ، فقد كان فيلم ( سواق الأتوبيس ) ، حيث رشحه المخرج عاطف الطيب لهذا الدور الذي أعجبه فيه المغزى الإنساني الذي يقدمه ( الوفاء المفقود في عالم مادي ، ضاعت فيه كل القيم الإنسانية ) . وبالرغم من شعور عماد حمدي بالإجهاد والإرهاق أثناء فترة التصوير ، إلا أنه كان يحاول التماسك حتى إنتهاء التصوير . وتحامل على نفسه وهو يصور المشهد الأخير ، مشهد الوالد الملقى على فراش الموت . وقد أدى عماد حمدي هذا الدور بإقتدار وثقة ، وكان نهاية المشوار الفني الطويل للفنان الكبير عماد حمدي .
وقبل أن يموت عماد حمدي بعامين ، وبعد أن تآمرت عليه أمراض الشيخوخة ، بدأ يصاب بالإكتئاب ، لذا آثرت زوجته الأولى أن تكون بجانبه في أيامه الأخيرة ، إلا أن الموت خطفها قبله ، وشاء القدر أن يشهد نهايتها ويحرم من اليد الحانية الوحيدة . مما أدى ذلك الى زيادة إكتئابه ، والى المزيد من الإحباط وحب العزلة والبعد عن الناس . وهذه هي الأمراض الحقيقية التي كان يشكو منها النجم الكبير حتى وفاته في الثامن والعشرون من يناير عام 1984 ،لينهار صرح كبير من صروح الفن السينمائي في مصر والوطن العربي .
في عام 1949 إستقال عماد حمدي من وظيفته في أستوديو مصر ، بعد خدمة ثماني سنوات ، متنقلاً من وظيفة باشكاتب الى مدير إنتاج الى ممثل سينمائي ، تدفع له مكافآت مالية نظير عمله كممثل . ولكنه الآن قد أصبح نجماً سينمائياً مرموقاً ، وإستمراره في الوظيفة يسبب له نوعاً من عدم الإستقرار . لذلك كان عليه أن يختار بين الإستمرار في الوظيفة أو الإستقالة ، فإختار الإستقالة بالطبع . وإستلم مكافأة نهاية الخدمة مودعاً السلك الوظيفي ومستقبلاً من جديد حياة الأضواء .
ومضت سبع سنوات وعماد حمدي يعيش حياة زوجية سعيدة مع فتحية شريف وإبنهما ، الى أن إلتقى بالفنانة شادية في رحلة »قطار الرحمة« ، حيث ورأى الفنانون بأن يقوموا بتظاهرة فنية تعبيراً عن ترحيبهم بإعلان الثورة ، وذلك في قطار ينطلق من القاهرة الى أسوان ، حيث يتوقف في كل المحطات لتقديم حفلات غنائية يرصد ريعها لأعمال الخير ولدعم الثورة . في هذا القطار تقابل عماد وشادية ، وكان لا بد أن يتبادلا كلمات المجاملة التي لم تلبث أن تحولت الى كلمات شكر ، ثم تعبيرات أطول عن التقدير المتبادل ، الى أن إنتهت الى مشروع حب ثم زواج . صحيح بأن موقف عماد حمدي كان شائكاً ، فهو متزوج ويحب زوجته ، إلا أنه لم يستطع مقاومة ذلك الشعور الجارف نحو شادية . كان يقول لنفسه : أية قوة مجهولة تحاول أن تغير إتجاه سفينة حياتي ؟ والى أي شاطئ مجهول سأنجرف ؟ ووجد عماد نفسه في موقف لا يحسد عليه ، موقف رجل متزوج وله ولد ، وقع في الحب ولم يعد أمامه سوى حل وحيد ، وكان الحل في منتهى القسوة .. أن يطلق زوجته فتحية شريف ويتزوج شادية !!
وتزوج عماد حمدي شادية عام 1953 ، في الإسكندرية التي شهدت أول لقاء سينمائي لهما ، وكان فيلم ( أقوى من الحب ) . حينها فكر عماد أن يخوض تجربة الإنتاج السينمائي ، صحيح بأنه عمل مديراً للإنتاج في أستوديو مصر ، لكنه اليوم يفكر بالمغامرة بأمواله الخاصة . وكان من أهدافه الفنية في الإنتاج بأن يضع شادية في المكان المناسب ، بعد أن تخصصت في الأدوار الخفيفة وفي الأفلام ذات الطابع الكوميدي الغنائي . بينما كان عماد يرى في هذه الفنانة كنوزاً كانت خافية على الجميع لم تكشف بعد ، ولا تحتاج إلا لنبشها وإظهارها للعلن . لذلك عقد العزم على أن يخوض تجربة الإنتاج مهما كانت نتائجها وعواقبها . وأول إسس النجاح هو إختيار القصة المناسبة ، حيث وفق عماد في العثور على قصتين جيدتين ، هما : »شاطئ الذكريات« و »ليلة من عمري« . ونجح هذان الفيلمان ، اللذان أرخا لبداية جديدة في مشوار شادية السينمائي ، ومن ثم إتجهت لأداء الأدوار التراجيدية ، وقدمت فيلمي ( موعد مع الحياة ) و ( المرأة المجهولة ) اللذان حققا لها أكبر النجاح الفني والشعبي .
فجأة ، توقف الحب بسرعة ، كما أتى بسرعة . فقد بدأت الفوارق في وجهات النظر بين عماد وشادية تظهر الى السطح ، وأدى ذلك الى ثورة شادية ، وإستسلام عماد لهذه الثورة ، ثم الى توقفه عن العمل لفترة طويلة ، نتيجة للمشاكل العائلية الكثيرة إن كانت من الزوجة الأولى أو الزوجة الثانية . ويمكن القول بأن تلك الفترة كانت بمثابة النكسة في حياة عماد حمدي ، حيث تم الطلاق بينه وبين شادية بعد ثلاث سنوات .
بعد توقف عماد حمدي عن التمثيل لفترة طويلة ، عرض عليه المنتج رمسيس نجيب بطولة فيلم ( حتى نلتقي ) ، وكانت قصة هذا الفيلم مشابهة لقصة حياته مع الزواج . في البداية ، رفض عماد القيام بهذا الدور ، إلا أن رمسيس نجيب إستطاع أن يقنعه ، بإعتباره قد لعب هذا الدور في الحياة . وإنه سيكون الدور الهام في مشواره السينمائي . وبالتالي إستطاع رمسيس نجيب أن يخرج عماد حمدي من عزلته التي فرضها على نفسه ، بعد أن أفهمه بأن فاتن حمامة ستلعب دور شادية ، وزهرة العلا ستلعب دور زوجته فتحية شريف . ولعب عماد دوره في هذا الفيلم كما لم يلعب دوراً في حياته .
وبدأ عماد يعمل بكثرة متفانياً في عمله لكي ينسى ، يخرج في الصباح ولا يعود إلا بعد منتصف الليل ، منهكاً ومستنزفاً كل قواه ، من أجل الحفاظ على لقب الفتى الأول ، هذا اللقب الذي لازمه سنوات طويلة ، وهو يمثل مع فاتن حمامة ومديحة يسري ، وبقية نجمات السينما المعروفات . فتى أول من نوع مختلف ، فيه وقار الكبار الذين لا يعتمدون على صغر السن أو وسامة الملامح ، بل على حسن الأداء والإنغماس في الشخصية .
لم يعد عماد حمدي شاباً ، لقد تقدم به العمر ، وتسللت الشعرات البيض الى رأسه ، والتجاعيد أصبحت واضحة فوق وجهه . لكن المخرجين لم يقتنعوا بذلك ، ظلوا يصرون على ترشيح عماد حمدي كفتى أول مدة عشرين عاماً وأكثر . ولكن زمن هذا الفتى قد تغير ، ولا بد من الإنعطاف نحو أدوار أخرى .
وفي عام 1960 ، إختاره المخرج حسن الإمام للمشاركة في بطولة فيلم ( زوجة من الشارع ) . وكان ضمن طاقم الفيلم الوجه الجديد نادية الجندي ، والتي لم يسمع عنها عماد حمدي من قبل ، وعندما رآها رأى فيها وجه الشابة الجميلة والشديدة الحيوية . ومن خلال العمل أمام الكاميرا والظهور معها في عدة لقطات ، كان لا بد أن يجري بينهما حوار جانبي ما ، وتعليقات وإرشادات فنية ، كأي ممثلة جديدة تحتاج الى العون . وفي فترات الإستراحة ما بين التصوير ، بدأ عماد ـ للمرة الثالثة ـ يفكر بعمق في حياته المجدبة والموحشة مثل صحراء قاحلة ، ليس فيها خضرة ولا ماء ولا حياة . الضمأ للحنان يقتله ، والشعور الحاد بالوحدة يعذبه . فبعد الأربعين تشتد حاجة الإنسان الى شريكة لحياته . إنتابته كل هذه الهواجس ، لحظة شاهد نادية الجندي ، لم يفكر بفارق السن بينهما ، ولم يفكر بمصيره معها في المستقبل . إنحصر تفكيره في عواطفه فقط . ومع إنتهاء تصوير فيلم ( زوجة من الشارع ) كان عماد يتأبط ذراع نادية ، وبعد عام من زواجهما أنجبت له نادية إبنه »هشام« .
بعد الزواج الثالث ، عاد عماد حمدي يفكر في الإنتاج مرة ثانية . كان قد أنتج لزوجته السابقة شادية فيلمين ، وها هو يستعد لإنتاج فيلم ( بمبة كشر ) لزوجته الثالثة نادية الجندي . والفيلم من النوع الإستعراضي ، أي إنه يتطلب نفقات غير عادية . لكن عماد حمدي لم يبخل على الفيلم بشيء ، كان يريده فيلماً ناجحاً . ولكي يتحاشى متاعب الضرائب كتب الفيلم بإسم زوجته . فقد بلغت التكاليف خمسين ألف جنيه ، وإتفق الزوج وزوجته على أن تأخذ هي نسبة من الإيرادات . وبعد عرض ( بمبة كشر ) حقق نجاحاً كبيراً ، وإستمر عرضه أسابيع متواصلة وحقق إيرادات كبيرة . وبالرغم من أن عماد حمدي هو الذي صنع إسم نادية الجندي بهذا الفيلم ، إلا أنه لم يحصل على شيء من إيراداته ، والتي أخذتها الزوجة »المصونة« . ولم يحزن عماد بسبب هذه الخسارة المادية ، بل حزن لأن الوفاء لم تكتمل فصوله ، وإن الزوجة التي إختارها لم تكن على مستوى تضحية الزوج ورغبته في دفعها الى الأمام . ومن الطبيعي أن يشب الخلاف بين الزوجين ، حيث حزم عماد حقائبه وخرج من بيت الزوجية . لم يندم عماد حمدي على شيء ، لا على الإنتاج السينمائي الذي كلفه الألوف ، ولا على شقة الزمالك التي كتبها سابقاً بإسم نادية ، والتي يبلغ ثمنها حوالي الربع مليون جنيه . فقط غرق في الحزن والصمت ، وآثر راحة البال . فقد علمته الحياة أن من يخسر المال هو أسعد من الذي يفقد نفسه وحريته وإرادته .
في مرحلة الشيخوخة ، لم يكن غريباً من أن يستكمل عماد حمدي تألقه الفني في الأدوار الجديدة ، أدوار الأب أوالجد ، فلكل مرحلة أدوارها . بل إن عماد حمدي يعتبر هذه المرحلة ... من أهم وأخصب سنوات عمري ، إنها سنوات النضج والإكتمال ، قدمت فيها أهم وأنجح أفلامي ... . ومن أفلام عماد حمدي الهامة في مرحلة الشيخوخة ، أدواره في أم العروسة ، ميرامار ، ثرثرة فوق النيل ، المذنبون ، سونيا والمجنون ، أسياد وعبيد .
أما بالنسبة لآخر أدواره ، فقد كان فيلم ( سواق الأتوبيس ) ، حيث رشحه المخرج عاطف الطيب لهذا الدور الذي أعجبه فيه المغزى الإنساني الذي يقدمه ( الوفاء المفقود في عالم مادي ، ضاعت فيه كل القيم الإنسانية ) . وبالرغم من شعور عماد حمدي بالإجهاد والإرهاق أثناء فترة التصوير ، إلا أنه كان يحاول التماسك حتى إنتهاء التصوير . وتحامل على نفسه وهو يصور المشهد الأخير ، مشهد الوالد الملقى على فراش الموت . وقد أدى عماد حمدي هذا الدور بإقتدار وثقة ، وكان نهاية المشوار الفني الطويل للفنان الكبير عماد حمدي .
وقبل أن يموت عماد حمدي بعامين ، وبعد أن تآمرت عليه أمراض الشيخوخة ، بدأ يصاب بالإكتئاب ، لذا آثرت زوجته الأولى أن تكون بجانبه في أيامه الأخيرة ، إلا أن الموت خطفها قبله ، وشاء القدر أن يشهد نهايتها ويحرم من اليد الحانية الوحيدة . مما أدى ذلك الى زيادة إكتئابه ، والى المزيد من الإحباط وحب العزلة والبعد عن الناس . وهذه هي الأمراض الحقيقية التي كان يشكو منها النجم الكبير حتى وفاته في الثامن والعشرون من يناير عام 1984 ،لينهار صرح كبير من صروح الفن السينمائي في مصر والوطن العربي .